الخميس، 26 فبراير 2026

بيولوجية الخوف و الإحتراق الوظيفي و المناخ البيولوجي في بيئة العمل

 


بيولوجية الخوف والاحتراق الوظيفي ليست موضوعاً نفسياً عابراً، بل هي قضية بيولوجية اقتصادية تمس صميم الأداء المؤسسي العالمي. عندما يتعرض الإنسان لضغط مزمن في بيئة العمل، فإن جهازه العصبي يدخل في حالة استنفار مستمر، حيث يرتفع مستوى الكورتيزول ويتسارع النبض ويضيق نطاق الإدراك، فتتحول طاقة الدماغ من التفكير الاستراتيجي إلى البحث عن الأمان. هذه الاستجابة كانت مفيدة في بيئات الخطر البدائي، لكنها في بيئات العمل الحديثة تصبح عائقاً أمام الإبداع وجودة القرار.

الخوف المزمن لا يظهر دائماً في صورة صراخ أو انسحاب واضح، بل يتجسد في قرارات محافظة، وفي تجنب المبادرة، وفي مقاومة التغيير حتى لو كانت الأرقام تدعمه. الموظف الخائف يميل إلى حماية موقعه بدلاً من حماية مستقبل المؤسسة، والمدير المرهق عصبياً يفضل السيطرة الدقيقة على التفاصيل بدلاً من توسيع الأفق الاستراتيجي. ومع استمرار هذا النمط البيولوجي دون تدخل تنظيمي واعٍ، يتطور الأمر إلى احتراق وظيفي يتمثل في إرهاق عاطفي مزمن، وتراجع في الحافز، وانخفاض ملحوظ في الإنتاجية.

منظمة الصحة العالمية صنفت الاحتراق الوظيفي كظاهرة مهنية مرتبطة بالإجهاد المزمن غير المُدار، وتقارير اقتصادية دولية تشير إلى أن الخسائر الناتجة عن الإجهاد والاحتراق الوظيفي تقترب من 9 في المئة من الناتج العالمي. وإذا علمنا أن صندوق النقد الدولي قدّر الناتج العالمي بنحو 123 تريليون دولار، فإن الحديث يدور عن خسائر تتجاوز 11 تريليون دولار سنوياً. هذه الأرقام لا تشمل فقط الإجازات المرضية أو تكاليف العلاج، بل تمتد إلى انخفاض الإنتاجية، وارتفاع معدل دوران الموظفين، وتراجع جودة القرارات، وضياع فرص استراتيجية كان يمكن أن تعزز النمو.

بيولوجياً، عندما يظل الدماغ في وضع الدفاع لفترات طويلة، تتقلص قدرة القشرة الجبهية المسؤولة عن التخطيط والرؤية بعيدة المدى، ويزداد اعتماد الفرد على أنماط التفكير السريع المحافظ. هذا يفسر لماذا تفشل مؤسسات تمتلك أدوات إدارية متقدمة لكنها تعمل تحت ثقافة خوف صامتة. الأدوات وحدها لا تكفي إذا كانت الحالة العصبية العامة للفريق تعمل ضدها.

معالجة هذه المشكلة تبدأ بالاعتراف بأن الخوف حالة فسيولوجية قابلة للإدارة وليست ضعفاً أخلاقياً، وأن الاحتراق نتيجة نظام عمل غير متوازن لا نتيجة قصور فردي. عندما تستثمر المؤسسات في قياس مستويات الإجهاد، وتنظيم الأحمال التشغيلية، وتدريب القادة على ضبط حالتهم البيولوجية قبل إدارة فرقهم، فإنها لا تحسن رفاه الموظفين فحسب، بل تستعيد جزءاً ملموساً من القيمة الاقتصادية المهدرة. تقليل نسبة صغيرة من تلك التسعة في المئة على مستوى منظمة واحدة قد يعني ملايين الدولارات المستعادة، وعلى مستوى الاقتصاد العالمي يعني استعادة تريليونات كانت تضيع في صمت داخل أجساد مرهقة وعقول تعمل في وضع البقاء لا في وضع الابتكار.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق